أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
63
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
صحت هذه منك نادتك الهواتف أيضا من قبل الحق ، أليست التوبة منه بدأت والإنابة منه تتبعها ، واشتغالك بما وصف لك حجابك عن مرادك ؟ فهناك تنظر أوصافك فتستعيذ باللّه منها ، فتأخذ في الاستغفار والإنابة ، فالاستغفار طلب الستر من أوصافك بالرجوع إلى أوصافه ، وإن كنت بهذه الصفة أعني الاستغفار والإنابة ناداك من قريب اخضع لأحكامي ودع منازعتي ، واستقم مع إرادتي برفض إرادتك ، وإنما هي ربوبية تولت عبودية ، فكن عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [ النّحل : 75 ] فمتى رأيت منك قدرة وكلتك إليها وأنا بكل شيء عليم ، فإن صح لك هذا الباب ولزمته أشرفت من هناك على أسرار لا تكاد تسمع من العالمين . فصل في آداب القبض والبسط قال رضي اللّه عنه : القبض والبسط قلّ ما يخلو العبد منهما ، وهما يتعاقبان كتعاقب الليل والنهار ، والحق يقتضي منك العبودية فيهما ، فمن كان وقته القبض فلا يخلو أن يعلم سببه أو لا يعلمه . وأسباب القبض ثلاثة : ذنب أحدثته ، أو دنيا ذهبت عنك أو نقصت لك ، أو ظالم يؤذيك في مالك أو نفسك أو في عرضك أو ينسبك لغير دين أو غير ذلك ، فإن ورد عليك القبض من أحد هذه الأسباب فالعبودية أن يرجع إلى العلم مستعملا له كما أمرك الشرع . أما في الذنب فبالتوبة والإنابة وطلب الإقالة ، وأما فيما ذهب عنك من الدنيا أو نقص فبالتسليم والرضا والاحتساب ، وأما فيما يؤذيك به ظالم فبالصبر ، واحذر أن تظلم نفسك فتنتصر لها فتتعدى الحق في حق الظالم ، فيجتمع عليك ظلمان : ظلم غيرك لك ، وظلمك لنفسك ، فإن فعلت ما ألزمت به من الصبر والاحتمال أثابك سعة الصدر حتى تعفو وتصفح ، وربما أثابك من نور الرضا ما ترحم به من ظلمك فتدعو له فتجاب دعوتك ، وما أحسن ذلك إذا رحم اللّه لك من ظلمك ! فلك درجة الصديقين والرحماء فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [ آل عمران : 159 ] . وأما إذا ورد عليك قبض ولم تعلم له سببا فالوقت وقتان : ليل ونهار ، فالقبض أشبه شيء بالليل ، والبسط أشبه شيء بالنهار . وإذا ورد عليك القبض بغير سبب تعلمه فالواجب عليك السكون .